اسماعيل بن محمد القونوي
272
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فما هو جوابه في سائر المواضع فهو جوابنا هنا واحتمال الاستئناف بعيد جدا عن صفات المخلوقين . قوله : ( يفعل ما تقتضيه حكمته فيتكلم تارة بوسط وتارة بغير وسط إما عيانا وإما من وراء حجاب ) أراد بيان ارتباطه بما قبله وأن ختام الآية أنسب بأولها قوله وتارة بغير وسط إما عيانا وهو قوله : إِلَّا وَحْياً [ الشورى : 51 ] قوله : وإما مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشورى : 51 ] هذا أيضا بغير وسط وأنت تعلم أن هذا من قبيل التمثيل وكذا قوله : عيانا محمول على التمثيل قدم الأول مع أنه مؤخر في النظم لبساطته وعدم انقسامه بخلاف ما بغير وسط فإنه منقسم إلى قسمين فيكون بمنزلة المركب المؤخر مما هو بمنزلة البسيط وأما في النظم الكريم فلأن التكلم بغير وسط أعلى المراتب والتكلم بالمشافهة أعلى من التكلم من وراء حجاب فقدم الأول على الثاني وقدما على الثالث وما ذكره هنا ما اختاره أولا . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 52 ] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) قوله : ( وكذلك ) « 1 » ومثل ذلك الايحاء البديع أوحينا إليك والإشارة إلى ما قبله لا إلى ما بعده والكاف للتشبيه أو للعينية فهو مفعول مطلق أي أوحينا إليك ايحاء مثل الايحاء المذكور والتقديم إما للاهتمام أو للحصر لكن الايحاء المذكور شامل لهذا الايحاء فيتوهم أنه تشبيه الشيء بنفسه بالنظر إليه فتأمل في جوابه وقيل وكذلك فعل الوحي المشهور لغيرك أو مثل ما في هذه السورة والإشارة لما بعده كما مر انتهى ولا يخفى ضعفه إذ الإشارة إلى ما قبله صحيح حسن والمشار إليه التكليم المنقسم إلى الأقسام الثلاثة . قوله : ( يعني ما أوحي إليه وسماه روحا لأن القلوب تحيى به ) وسماه روحا أي استعارة لأن القلوب تحيى به أي حياة معنوية فالحياة أيضا استعارة أي كما أن الحيوان يحيى بالروح كذلك القلوب تحيى بالوحي فذكر المشبه به وأريد المشبه وتنكير الروح للتفخيم قوله من أمرنا يزيده شأنا ومعناه من الإبداعيات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل كالأعضاء أو وجد بأمرنا وحدث بتكويننا كذا فسره المص في قوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] وهذا وصف للروح باعتبار أصل معناه مبالغة في تعظيم الوحي المراد به . قوله : ( وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي ) وقيل جبريل سمي روحا لأن الخلق يحيى به وبما أنزله والمعنى حينئذ أرسلناه يعني أوحينا بمعنى أرسلناك بالوحي مجازا أو بالتضمين ولهذا مرضه وفيه رد العجز على الصدر حيث صدر السورة الكريمة بقوله : كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ [ الشورى : 3 ] الآية . قوله : ( ما كُنْتَ تَدْرِي ) ما نافية والجمع بين الماضي والمستقبل للتنبيه على دوام ذلك
--> ( 1 ) عطف على ما فهم منه من قوله : إنا أوحينا إلى بشر بإحدى الطرق المذكورة وأوحينا ايحاء كذلك الخ .